ابن حجة الحموي

183

خزانة الأدب وغاية الأرب

فتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أبلغ التشابيه وأبدعها ومثله قوله تعالى مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ومن النظم قول أبي علي ابن سينا إنما النفس كالزجاجة والعلم * سراج وحكمة الله زيت ويعجبني في هذا الباب أعني تشبيه المعقول بالمحسوس قول ابن منير الطرابلسي زعم كمنبلج الصباح وراءه * عزم كحد السيف صادف مقتلا القسم الرابع تشبيه المحسوس بالمعقول قد تقدم أن هذا القسم عند أهل المعاني والبيان غير جائز وما ذاك إلا أن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها ولذلك قيل من فقد حسا فقد علما ووجه الصواب في تشبيه المحسوس بالمعقول أن يقدر البليغ المعقول محسوسا ويجعل أصل المحسوس على طريق المبالغة فرعا فيصبح التشبيه حينئذ كقول الشاعر وكأن النجوم بين دجاها * سنن لاح بينهن ابتداع فإنه لما شاع وصف السنة بالبياض والإشراق لقول النبي أتيتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها واشتهرت البدعة وكل ما ليس بحق بالظلمة والسواد كقولهم ليل الشرك أقام هذا الشاعر السنن مقام الأجناس التي لها إشراق وبياض والبدع مقام أجناس السواد والظلمة فصار ذلك عنده كتشبيه محسوس بمحسوس فجاز له التشبيه على هذا التقدير كقول أبي طالب الرقي ولقد ذكرتك والظلام كأنه * يوم النوى وفؤاد من لم يعشق فإنه لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد كقول من يغتاله مكروه اسودت الدنيا في عيني جعل هذا الشاعر يوم النوى أشهر بالسواد من الظلام فشبهه وعرفه به ثم عطف عليه بفؤاد من لم يعشق تظرفا لأن ظريف العشاق يدعي قسوة قلب من لم يعشق والقلب القاسي يوصف بشدة السواد فصار هذا القلب عنده أصلا في السواد على هذا التقدير فقس على ذلك ومثله قول القائل أسفر ضوء الصبح من وجهه * فقام خال الخد فيه بلال كأنما الخال على خده * ساعة هجر في ليالي الوصال سواد ساعة الهجر وبياض زمان الوصل قد فهم على ما تقرر وتكرر ومن ذلك قول الشاعر كأن انتضاء البدر من تحت غيمه * نجاة من البأساء بعد وقوع ومن البديع الغريب في هذا الباب قول القاضي التنوخي أما ترى البرد قد وافت عساكره * وعسكر الحر كيف انساب منطلقا فانهض بنار إلى فحم كأنهما * في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا جاءت ونحن كقلب الصب حين سلا * بردا فصرنا كقلب الصب إذ عشقا ويعجبني هنا قول الصاحب بن عباد وقد أهدى إلى القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني عطرا أهديت عطرا مثل طيب ثنائه * فكأنما أهدى له أخلاقه ومن التشابيه البليغة في هذا الباب قول الشهاب محمود في تشبيه بعض الحصون والمبالغة في علوه كأنه وكأن الجو يكنفه * وهم تكنفه في طيها الفكر وغاية الغايات في هذا الباب أعني تشبيه المحسوس بالمعقول قول أبي نواس رحمه الله معتقة صاغ المزاج لرأسها * أكاليل در ما لناظمها سلك جرت حركات الدهر فوق سكونها * فذابت كذوب التبر أخلصه السبك وأدرك منها الفائزون بقية * من الروح في جسم أضر به النهك وقد خفيت من لطفها فكأنها * بقايا يقين كاد يذهبه الشك ومثله قوله وأجاد فيه إلى الغاية